الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

111

مناهل العرفان في علوم القرآن

فهذا الخبر الثاني يدلّ على أنها بمكة ، وأن سبب نزولها سؤال قريش إياه . أما الأول فصريح في أنها نزلت بالمدينة بسبب سؤال اليهود إياه ، وهو أرجح من وجهين : أحدهما أنه رواية البخاري ، أما الثاني فإنه رواية الترمذي ، ومن المقرّر أن ما رواه البخارىّ أصحّ مما رواه غيره . ثانيهما أن راوي الخبر الأول وهو ابن مسعود كان مشاهد القصة من أولها إلى آخرها كما تدلّ على ذلك الرواية الأولى ، بخلاف الخبر الثاني فإن راويه ابن عباس لا تدلّ الرواية على أنه كان حاضر القصة ، ولا ريب أن للمشاهدة قوّة في التحمل وفي الأداء ، وفي الاستيثاق ليست لغير المشاهدة ، ومن هنا أعملنا الرواية الأولى ، وأهملنا الثانية . « وأما الصورة الثالثة » - وهي ما استوت فيه الروايتان في الصحّة ، ولا مرجّح لإحداهما ، لكن يمكن الجمع بينهما ، بأنّ كلّا من السببين حصل ونزلت الآية عقب حصولهما معا ، لتقارب زمنيهما - فحكم هذه الصورة أن نحمل الأمر على تعدّد السبب لأنه الظاهر ، ولا مانع يمنعه . قال ابن حجر : « لا مانع من تعدّد الأسباب » . مثال ذلك : ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أنّ هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشريك بن سحماء . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « البيّنة أو حدّ في ظهرك » . فقال يا رسول اللّه ، إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة . وفي رواية أنه قال : والذي بعثك بالحقّ إني لصادق ، ولينزلنّ اللّه تعالى ما يبرّئ ظهري من الحدّ . فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه : « وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ » حتى بلغ « إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ » ا ه وهذه الآيات من سورة النور . و أخرج الشيخان « واللفظ للبخاري » عن سهل بن سعد « أنّ عويمرا أتى عاصم بن عدىّ ، وكان سيد بنى عجلان ، فقال : كيف تقولون في رجل